فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا
أخر الاخبار
جامعة القدس تعقد سلسلة من الأنشطة والفعاليات التربوية الهادفة حتى الحمام والقطط تجد رزقها في فجر الأقصى ماذا سيحصل للأرض في حال وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان؟ هكذا يُعامل حراس الأقصى.. قصص اشتباك "الرجبي" مع الاحتلال منيب رشيد المصري يوقف 25 مليون دولار لصالح العمل التنموي في فلسطين أكاديمية القدس للإبداع الشبابي تتوج الأعمال الابداعية لطلبتها في المرحلة الأولى شاهد- استشهاد فلسطينية على حاجز قلنديا جامعة القدس تفتتح أضخم مشروع ترميم في البلدة القديمة بمدينة القدس العليا الاسرائيلية تعطي صلاحيات باحتجاز جثامين الشهداء فلسطينيون أمام السفارة الكندية.. يطالبون بفتح ابواب الهجرة تحريض إسرائيلي على "مدارس الإيمان" المقدسية الاحتلال يعتقل 7 مواطنين تحذيرات من تفاقم الحالة الصحية للأسرى المضربين غنام وخلوف وقعدان وفاة أصغر أبناء الرئيس المصري الراحل محمد مرسي السلطة تقدم تقريراً عن الانتهاكات الاسرائيلية للامم المتحدة

القدس الرائحة والروح| تحسين يقين

بتاريخ الأحد 7/9/2014

أحمل أخبار القدس الحزينة والأسيرة وأسير إليها..

لا مفتاح للقدس..

ولا طريق

لكن المكان خصب لإنشاء الكلام

متعة المكان رغم الأخبار السيئة تنسي آلام الطريق، ولا طريق غير التسلل من أودية خربتها ملوثات المستوطنات المطلة على القدس والمحيطة بها.

كأنني في رحلة طويلة، رحلة الآلام، هكذا ينتابني شعور كلما زرت القدس متسللاً، فمن يدري ماذا تخبئ الأيام لنا بعد أن حرمنا حتى من دخولها، ونحن من أبنائها وشهادة ميلادي تدل أن عيوني رأت النور هنا في مستشفى الهلال المطل على سور القدس ناحية باب الساهرة.

أطيل النظر في الطريق وما عليها، أنظر في وجوه الناس، البيوت، العربات، الأرض والسماء.

ترجلت من الحافلة عند أول شارع نابلس،

كان أطفال وفتيان القدس يستمعون لمحمود درويش:

«الأنبياء جميعهم أهلي

لكن السماء بعيدة عن وجهها

وأنا بعيد عن الكلام».

كان يلقي محمود درويش القصيدة من خلال فيلم وثائقي عنه أخرجته الفرنسية سيمون بيتون. تصل كلماته إليّ وأنا أمرّ قرب المسرح الوطني..أسرح في كلمات درويش التي تصلني وأتابع المسير.

على باب شارع صلاح الدين، فندق سان جورج أمامي وخلفي مبنى المحكمة العسكرية الإسرائيلية. حين كنت طفلاً كنت أرى فندق سان جورج فندقاً كبيراً، الآن بعد التعرف على بعض مدن العالم صار صغيراً.

عند مدخل الشارع مؤسسة أجنبية قديمة تعنى بالآثار، على بعد أمتار منها تقع سينما الحمراء، مقابل المحكمة إلى الجنوب قليلا مغبرة مهملة، لا خطوط عليها، لا اسم لا عنوان، آثار ملصقات لأفلام عربية وشعارات الانتفاضة السابقة.

إلى جهة الجنوب، هناك مطعم أبو علي الشهير، مقابله كانت مكاتب مجلة العودة، والمكتب الفلسطيني، هناك المركز الثقافي الفرنسي، ومقر شركة كهرباء محافظة القدس، ومحلات لبيع الصحف والمجلات ثم البريد.. هكذا هو شارع صغير. وأنت تسير إلى جهة الشارع الرئيسي يقابلك سور القدس فلا تلبث أن تدخل في التاريخ.. ثم تعيدك دوريات حرس الحدود وشرطة الاحتلال إلى واقعك، وما بين التاريخ والحاضر تحس بالحزن العميق وتطلق آهاتك لعلها تدفئ برودة الأطراف.

توجد نقطة لشرطة الاحتلال في ركن مبنى البريد، وهناك تتسلط شرطة الاحتلال على أصحاب العربات لتعليمهم فن السواقة من جديد! تدور إلى اليمين قاصداً باب العامود، تاركاً باب الساهرة وراءك.

للمار في رصيف الشارع المكتظ بالمتسوقين أن يسمع نداءات الباعة المغلفة بالسخرية والرجاء، فلا يملك السامع إلا الابتسام.

 

لا مفتاح للمدينة

لا مفتاح لها.

لم يعد لها سور يحميها من الغزاة فكل الأبواب تحت سيطرتهم، وهم يستطيعون فتحها وإغلاقها كما يشاؤون لا كما نشاء.

صباح اليمام

لم تكن جوليا بطرس تغني يا حمام القدس حين لجأت رفوف الحمام إلى سماء المدينة…

كان لجوؤها إلى السماء من الأرض لجوء سريعا مذعورا..

رفوف من الحمام الخائف المذعور رسمت صورة لسماء القدس، فلم يكن أمام الحمام أمام زخات رصاص جنود الاحتلال إلا الذعر والطيران بعيدا عن صوت البارود.

أتأمل رؤوس المباني العائدة لمؤسسات تبشيرية، تحاكي رؤوسها شكل أعلى سور القدس بفتحاته المعروفة.. سرت والسور، مقترباً من مغارة سليمان، ثمة صخور كبيرة جدا ارتفع فوقها السور، الذي يدخلني الى التاريخ.

أصل باب العامود من أعلى، أنظر إلى جهة المصرارة، مكان السور الذي كان يقسم شرقي المدينة عن غربيها المحتل، والذي هدمته سلطات الاحتلال بعد هزيمة عام 1967، لتصبح القدس موحدة تحت الاحتلال.

الشرارة

لم تعصف الأخطار بالقدس – كما تعصف بها الآن، فالمدينة الواقعة في مجرى الريح السياسية – التي أجلت اتفاقيات أوسلو للسلام قضيتها للحل النهائي على شرط ألا يغير الطرفان في وضعها شيئا- تلجأ لكل المؤمنين أن يصلوا للسلام فيها..فالوضع ليس ورديا كما هي حال الزخارف الوردية القديمة المنقوشة على سور القدس.

كانت جريمة حرق الفتى الشعفاطي المقدسي محمد ابو خضير الشرارة التي ألهبت انتفاضة القدس، والتي ظلت مستمرة حتى كتابة هذه الأسطر، حيث سبقها تراكمات هائلة من انتهاك حقوق المقدسيين والتضييق عليهم في تفاصيل حياتهم، حيث أصبح مثلا بناء مسكن أمرا مستحيلا!

فالمقدسيون يشكلون ثلث سكان المدينة، لكنهم يحصلون على 17% من الميزانية!

تذكرني القدس دوما بطفولتي، والسبب أنها منذ كنت صغيرا والقدس على حالها‍‍‍‍‍‍‍‍‍، لم تتغير غير أن الفقر زاد إنها مدينة فقيرة رغم كل هذا الغنى، تسلب حكومة الاحتلال الضرائب غير مقدمة سوى القليل من الخدمات.

وللمتأمل المتعمق، يجد أن حرب غزة اليوم وأمس وقبل أمس، إنما هي حرب القدس، فالحرب هناك ما هي إلا الحرب هنا. فمن هنا يبدأ السلام ومن هنا تبدأ الحرب ولا تنتهي.

كانت القدس تجلس قلقة على بركان قد يثور منتجا انتفاضة مقدسية سببها العنصرية البغيضة؛ وها هو قد ثار، لكن الاحتلال يخشى تطور الثورة، فيقاوم البركان بخبث عميق.

على بعد أمتار من المسجد الأقصى

نهبط درجات باب العامود..

مداخل المحلات والأديرة تبدو صغيرة، ثم ما تلبث إذا دخلتها أن تفضي إلى مساحات واسعة، من أين جاءت هذه المساحات التي لا يراها المتسوق..!

أنهى المستوطنون اليهود المتطرفون بناء كنيس في حمام العين في حارة الواد غرب سوق القطانين..

المكان الذي يعد وقفا كان يرصد معظم ريعه لمصلحة المكتبة الخالدية، وأن الأمير تنكز وهو أحد أمراء الناصر محمد بن قلاوون هو الذي أنشأه، وثمة علاقة إذن في النشأة والتأسيس بين حمام العين وبين خان تنكز الموجود داخل سوق القطانين والذي تم ترميمه قبل عدة سنوات..

الآن أصبح واضحا التقسيم الزماني للمسجد الأقصى، حيث يغلق لساعتين صباحا بأكمله للسماح للمصلين اليهود بالصلاة..!

في طريق الواد في البلدة القديمة، حيث يمر المتدينون اليهود بملابسهم الدينية وقلنسواتهم على زوايا رؤوسهم، مسرعين، في عجلة من أمرهم. اقترب من المكان أكثر، أتبادل الحديث مع المقدسيين، كبار السن منهم يلعبون النرد، بانتظارهم الطويل للخلاص.

يبدو المنظر من ساحة مسجد قبة الصخرة واضحا، حيث إن الكنيس الذي تم بناؤه يشرف على ساحة المسجد الأقصى من جهة الغرب، كونه مرتفعا، وهو يحجب جزءا من المسجد الأقصى ومسجد القبة خصوصا للناظر من تلك الجهة، حيث إن مكان الكنيس هو ما بين سوق القطانين وباب الحديد.

الحفريات لم تتوقف يوما في القدس خصوصا تحت المسجد الأقصى وفي محيطه، علما أن باطن الأرض وسقف المباني هي أملاك لمواطنين توارثوها أبا عن جد، في هذه الأيام هناك حفريات تجري في واد الربابة ووادي حلوة في سلوان، حيث تقوم جمعية «إلعاد» الإسرائيلية بواسطة سلطة الآثار الصهيونية بحفر نفق يصل بين حي سلوان وأسفل المسجد الأقصى، وهو يبدأ من عين سلوان ويمر بمحاذاة مسجد عين سلوان ويتجه شمالا باتجاه السور القبلي للمسجد الأقصى، ومن المفترض أن يصل أسفل المتحف الإسلامي الموجود في ساحة المسجد قرب باب المغاربة قرب حائط البراق.

ومعروف أن الاحتلال دمر حارة المغاربة عن بكرة أبيها بعد ساعات من احتلال القدس في يونيو عام 1967، وقد حاول اليهود فعلا بناء سور داخل المسجد الأقصى لتقاسمه مع المسلمين كما فعلوا في الحرم الإبراهيمي في مدينة خليل الرحمن، ولولا أن موشي ديان وقتها الذي كان وزير الدفاع الإسرائيلي منعهم لفعلوا ذلك خصوصا أنهم كانوا في أوج انتصاراتهم..

كان لنا تاريخ عظيم هنا، حمّام يدل على مستوى من المدنية والعمران، ومكتبة تدل على مستوى رفيع من الثقافة، وأسواق كبيرة متقنة الصنع مسقوفة تقي المتسوق برد الشتاء والمطر وتقيه حرارة الشمس صيفا.

تقاطع طريق الواد مع طريق الآلام، إنها المحطة الخامسة من محطات سير السيد المسيح..

تقدمت إلى باب الملك فيصل، والسبب هو أنني أردت أن أعرف اسم الباب المعتم. صعدت إلى الأعلى وتوجهت باتجاه شارع الواد، هذه هي المدرسة العمرية، وهذا دير الكاثوليك الذي يتميز بوجود جسر مسقوف مغلق مبني من الحجر بين المباني المقابلة، حتى لا يضطر المتنقلون بينها إلى النزول إلى الشارع. هذه هي الزاوية النقشبندية.. ومحل لبيع أدوات التراث الشعبي..

تأملت مشهد الأجانب، نظرت في عمق عيونهم الشاردة الحالمة المتأثرة بسحر القدس الشرقي.. كأنهم في حلم حيث ينظرون إلى المحلات وما تعرضه من بضائع شرقية الطابع، لا بدّ أنهم يحسون برائحة القدس وألوانها وملمسها وذوقها..

هل من حمّام يغسلني من الحزن؟

عدت إلى شارع الواد، دلفت إلى سوق القطانين، وخان تنكز..سألت عن حمام العين..

قلت لأغتسل في الحمام لعل أزيل بعض حزني وخوفي وقلقي وغضبي، لكن الحمام قد توقف عن تقديم هذه الخدمة.

صوتها يناديني

 

يمامة تطير، تدور نصف دائرة ثم تعود مكانها بجانب قرينها. يمامة لا تميز بين حجارة السور وفوهات بنادق الجنود، فهي إنما تبحث عن ظل وهواء في ظهيرة يوم صيفيّ… وأنا مثلها ألوذ بظل السوق والهواء الرطب البارد في مجرى الريح في مداخل المدينة وتقاطع الأزقة.

أنسى الجنود الغرباء قليلا، حين أقع في أسر التاريخ الطويل.. يرتفع صوت الباعة على مدخل باب «دمشق» المقدسي، فأعادتني الأصوات إلى الواقع البشري، طعام وشراب وملابس.. واللكنة الغريبة للجنود أعادتني إلى الصراع على المدينة المحتل معظمها عام 1948 قبل 66 عاما، أما ما تبقى فقد اغتيل عام 1967، عام مولدي، قبل 47 عاما.

باب دمشق يتوسط جزءا من السور، من أعلى تبدو الزخارف ذات الشكل الوردي المخروطي مثيرة لخيال الأطفال وأشياء أخرى:

هناك كان يقف جنودنا يتصدون للغازي يريد المدينة شرا، وهناك كانوا يرمون السهام.

وهناك كان الجنود العرب يستخدمون كوات السور للدفاع عنها عشية سقوطها الأخير.

 

أين أنت يا دمشق؟

باب دمشق… أين أنت يا دمشق؟

لا بد أنه سمي كذلك لأن القادمين من دمشق الشام كانوا يأتون من هذا الاتجاه إلى هذا الباب.. ولأجل ذلك سمي بباب نابلس أسوة بشارع نابلس القدس.

كثيرا ما أعدت على سماع فيروز وهي تشدو من محلات بيع الأسطوانات، ماانفك أصحاب محلات الكاسيت يسمعوننا إياها من عقود. أغنية زهرة المدان، كأنهم يغروننا بشراء واحدة، أو لعلهم يذكروننا بما قد نسينا:

مشيت بالشوارع

شوارع القدس العتيقة

قدام الدكاكين

اللي بقيت من فلسطين

ملامح سحنات المقدسيين مميزة عن ملامح الفلسطينيين في المدن الأخرى، الوجوه فيها حزن وصبر وانتظار لشيء قادم آت، وهم يواصلون الانتظار أمام البيوت والمحلات في البلدة القديمة، هل هو انتظار المخلص.

على باب قهوة صيام القديمة على باب زقاق السرايا مقدسيون يدخنون النارجيلة. حين سقطت القدس ذات صيف من عام 1967 ترك المقدسيون نارجيلاتهم وانزووا حزانى مفجوعين لعدة أسابيع، لم يأتوا إلى هنا حزنا وخجلا وغضبا… في الوقت الذي عاث الغزاة المنتصرون فسادا في ساحة المسجد المستباحة شربا ولهوا مع المجندات الماجنات مطلقين حناجرهم بالغناء سخرية بالرسول:

محمد مات ..خلف بنات

لكنهم عادوا، جزء من أصحاب النارجيلات إلى نارجيلاتهم وقهوتهم، وشيئا فشيئا زاد عدد العائدين حتى عادوا كلهم بعد أن يئسوا من قدوم المخلّصين.

تنتشلني رائحة الزعتر في السوق، أتأمل كيف تفنن صاحبه في عرضه، جعله كالجبل أو الهرم المتدرج في سقارة مصر مغطيا كل تدرج بحبات السمسم، أشبه شكلا بجبال اليمن والصين.

 

هنا رمز للقيامة!

على باب كنيسة القيامة، بضع خطوات وترى مسجد عمر بن الخطاب، أصلي ركعتين، وأتأمله من الداخل، يبدو أنه تم تشكله في أكثر من حقبة تاريخية.

المسجد هنا دلالة التعددية الدينية الطبيعية هنا لا الجبرية، كما يفعل الاحتلال من تهويد..يدخلني عمر إلى التاريخ، حين فتح العرب القدس..ثم أنثني إلى داخل «كنيسة القيامة» لأعود إلى الوراء ألفي عام!

أشعل شمعة في حب المسيح، وأتأمل اللوحات الفنية التي تحاكي مسار المسيح قادما بيت لحم حيث ولد، من الناصرة حيث أقام، فالجليل وبحرها، فأريحا، فالقدس التي كانت النهاية والبداية لعهد جديد..

جميلة الكنيسة التاريخية، فسيحة، بقبتها وبخورها، وفيها أكثر من مذبح، وفيها أكثر من طائفة ولغة وطقوس وملابس..

 

في الداخل قريبا من الأقصى!

أدخل ساحة المسجد الأقصى، فأدخل التاريخ، وهل خرجت منها إلا قليلا، في مكان تاريخه أكبر كثيرا من الجغرافيا.. ألتقي بحراس المسجد الذين باتوا يعرفونني من طول تأملي ومشاهدتي وأسئلتي.

تحاكي صفرة البلح الصفرة اللامعة للصخرة المذهبة، يعرض طفل عليّ أن يسقط لي حبة لآكلها.. عن طريق رميه بحجر، على شجرة النخيل 15 قطفاً من البلح، ليس بعيداً من هنا إلى الشرق تشع الجثمانية بقبابها التي تم طلاؤها بالذهب منذ بضع سنوات..

طفت حول مسجد قبة الصخرة نصف دائرة، ثم رحت أعدّ بوائك ساحة القبة فإذا هي ٨ بوائك..

كنت ألجأ إلى القدس دائما حين يتكدر خاطري، كنت أحتمي بها أهبط إلى البلدة القديمة إلى برودة السوق وماء الوضوء إلى قبة الصخرة إلى المغارة، هنا أحس أنني أقترب من الله أكثر، هناك كنت أطيل الدعاء والرجاء فيهرب كدر الخاطر وأعود ممتلئا اطمئنانا وسلاما.

هنا أصغي إلى الحضارات التي مرت من هنا والتي تركت شيئا منها: حجرا، عمودا، درجا، مئذنة، مصطبة، شارعا أو نفقا، ماء بشرا لغة مكتوبة أو قصيدة تغنى، أو لعله ثوب مطرز.

على سطح المدينة يوجد في المكان مراكز ممثلة لمعظم دول العالم، وبالإضافة إلى السياح هنا أناس مقيمون، جزء منهم من أبناء المدينة، يشكلون فسيفساء المدينة. في شوارع القدس القديمة يصل إلى سمعك لغات قديمة ولغات تخص الرهبان.

27 طبقة حضارية، حضارات تراكمت حجارتها بعضها فوق بعض. سطح المدينة هو سطحها الآن لكن قلبها قديم.

 

مطل جبل المكبر

من مطل جبل المكبر جنوب القدس، هنا قبل عشرات السنين كان مقر «المندوب السامي» البريطاني، وهنا قبل 1414 عام وأكثر استجاب الصحابي بلال بن رباح للخليفة عمر بن الخطاب فأذن وكبر العرب المسلمون الفاتحون القدس…بسلام.

هنا إذن سار عمر وصحبه هنا نزلوا الجبل وهناك صعدوا…

من هناك هبط الملاك رفيق الرسول إلى القدس في حادثة الإسراء، ومن هناك عرج بدون سلم إلى السماء.

يقع المسجد الأقصى على منطقة مرتفعة من الجبل لكن ليس على قمته. وهناك تستطيع قراءة المكان على ضوء العنصرية الإسرائيلية الصهيونية، من شكل البيوت والخدمات المتوفرة والإضاءة تدرك أين العرب وأين اليهود حتى في الأحياء المتجاورة بل حتى في بلدة سلون اللصيقة بالقدس ثمة تمييز في لون الضوء.

لا مفتاح معي للمدينة، والقدس مدينة مذبوحة من الوريد إلى الوريد. أحياء ذبحت تماما، لم يبق منها أحد: الطالبية، القطمون، البقعة، عين كارم، دير ياسين..لفتا..، أحياء موجودة مهمشة ومهشمة ومقطعة: بيت صفافا، الثوري، المكبر، سلوان، بيت إكسا، شعفاط…

على جبل الزيتون

مئات من شجر الزيتون انتشرت على جبل الطور المعروف بجبل الزيتون، وهنا مرّ السيد المسيح راكبا أتانه قادما من أريحا إلى القدس حاملا أحلامه ودعوته، ليكشف زيف العلاقات الكاذبة بين الحاكم الغريب والمحكوم ابن البلد، وليكشف كيف أن بيت الرب إنما جعلوه مكانا للبيع والتجارة لا للصلاة، وكيف راح يقلب موائد التجار والمرابين..

وأمام فندق الأقواس السبعة تأملت وجه القدس، تتلألأ قبة الصخرة ببهائها الساحر..

المدينة العريقة كانت تؤدي دورها التنويري في العالم العربي، مدارسها الكثيرة، علماؤها، مخطوطاتها، عمرانها، تتواق كي تعود من جديد لتواصل ما بدأته..

وجهها النضر رغم حزنه جميل.

المقال يُعبِّر عن رأي كاتبه، ولا يعكس وجهة نظر هُنا القدس بالضرورة

التعليقات