فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا
أخر الاخبار

كنوز أثرية في حانوت آخر النحاسين بالقدس

بتاريخ الأحد 17/2/2019

أسيل جندي-القدس

هنا القدس | في الطريق إلى حانوته بالقدس القديمة، على المار أن يجتاز عدة أزقة وعقبات وأسواق، فإذا كان قادما من باب العامود فعليه أن يمر على الأقل بسوقي خان الزيت والعطّارين ثم ينعطف يسارا باتجاه سوق الخواجات الذي أغلقت معظم محاله أبوابها، حتى يصل إلى الحانوت الذي تكدست فيه نحاسيات متعددة الأشكال والأحجام والأعمار.

 وصلنا إليه بعد رحلة سير امتزجت فيها رائحة الأمطار مع عبق روائح البلدة القديمة المنبعثة من حوانيت المخلل والتوابل والفلافل والكعك المقدسي والزعتر وغيرها، وبمجرد الوصول إلى حانوت محمد عبد الجواد -النحّاس الأخير في البلدة القديمة- اختفت كافة الروائح وطغت رائحة آلاف القطع النحاسية المتراكمة منذ عشرين عاما.

كان يجلس على برميل حديدي يُرتب أحد الرفوف ويتفقد القطع النحاسية الأثرية، وعن يمينه مدفأة كهربائية صغيرة وضعها على أرضية الحانوت الصغير الذي بالكاد يتسع لجلوس شخصين.

استهل المقدسي محمد عبد الجواد حديثه للجزيرة نت عن حرفته المندثرة التي لا يولي كثيرون اهتماما بها في هذا العصر، قائلا "أنا السمكري (النحّاس) الوحيد المتبقي في البلدة القديمة بالقدس.. اندثرت هذه الحرفة لكنني صممت على المضي بها خلفا لوالدي وأجدادي خوفا من اختفائها في المدينة المقدسة".

على خطى الأجداد

وُلد عبد الجواد عام 1970 في عقبة المفتي بالبلدة القديمة، وهو يعيش حاليا في حارة السعدية بالبلدة العتيقة أيضا، ترعرع وكبُر وهو يراقب والده يصنّع قطعا نحاسية جديدة ويرمم ويلمّع القطع القديمة في منزله الذي كان مقصدا لكافة سكان المدينة داخل السور التاريخي وخارجه.

وبعد وفاة والده، قرر محمد استئجار حانوت في سوق الخواجات وشرع بالعمل فيه منذ تسعينيات القرن الماضي، رغم أن نجم هذه الحرفة بدأ بالأفول مع ظهور أواني البلاستيك والألمنيوم والزجاج.

يقول محمد للجزيرة نت "كان سكان القدس قديما يستخدمون الأواني النحاسية فقط في الطبخ وتناول الطعام والوضوء وشرب الماء، وكانت كافة المنازل تعتمد على البابور النحاسي (موقد الطبخ) وكان تصليحه مصدر رزق لنا".

ومع ظهور المكيفات ومدافئ الغاز والحطب والكهرباء، استغنى المقدسيون تدريجيا عن البابور، وكان لزاما على النحّاس المقدسي تصنيع القطع النحاسية من الألف إلى الياء، وأبرز ما صنعته أنامله خلال عشرين عاما كان: الأهلة النحاسية التي تعلو مآذن المساجد، وأواني النحاس التي تستخدم في قلي الفلافل، وقوالب المعمول، بالإضافة إلى سخّانات المياه وأباريق السحلب النحاسية.

ترميم وتلميع

وبالإضافة لذلك، ما زال عبد الجواد يستقبل قاصديه ممن قرروا عدم الاستغناء عن أسلوب الحياة التقليدي، ويتوجهون له لترميم وتلميع قطعهم النحاسية من وقت لآخر.

لم يتوقف شغفه عند تصنيع النحاسيات ونقشها وترميم القديم منها، بل تطور لاقتناء القطع النحاسية القديمة، حيث يتوجه إلى مدن الضفة الغربية كالخليل وبيت لحم ونابلس وجنين وطولكرم لشراء قطع يصل عمر بعضها إلى مئة عام.

يقطع حديثنا معه بين الحين والآخر استفسار أحد المارة -رغم قلة عددهم- عن القطع النادرة واستخداماتها، أو سقوط قطعة نحاسية من مكانها بسبب تزاحمها في الحانوت، فضلا عن روائح الطعام المنبعثة من المطعم المجاور الذي ما زال يفتح أبوابه في السوق المحتضر.

قطع أثرية

بخبرة عميقة يشرح النحّاس عن القطع التي تحتضنها رفوفه، إذ يملك مجموعة نادرة من الصواني والشمعدانات والأباريق التي وصلت إلى البلاد قديما من إيران وأفغانستان والمغرب والعراق وتركيا وسوريا، فضلا عن قطع من الهند ونيبال.

وبعض المقتنيات النحاسية وصلت مع اليهود الشرقيين الذي قدموا إلى فلسطين وعاشوا فيها قديما، فيما حصل على أخرى من خلال تجواله وحرصه على شراء القطع النحاسية القديمة، إذ يملك دلال قهوة أثرية من مدينة بئر السبع الفلسطينية.

يتردد على حانوته لشراء القطع الأثرية زبائن ألف وجوههم من الفلسطينيين وآخرين من السياح الأجانب وبعض اليهود المهتمين باقتناء التحف القديمة، لكنه لا يعتمد على الحانوت كمصدر وحيد للرزق، إذا يعمل أيضا حارسا في المسجد الأقصى منذ عام 2001، ويقصد حانوته الصغير أربع ساعات كل صباح قبل توجهه إلى الأقصى لاستلام نوبة الحراسة بعد الظهر.

يرفض عبد الجواد إغلاق الحانوت والتخلص من محتوياته خوفا من اندثار الحرفة التي لم يعد يمارسها سواه في البلدة القديمة، ويقول "لن يفتح أبنائي الحانوت بعد موت لأنه لا يمكن الاعتماد عليه في كسب قوت أسرة مقدسية.. لكنني سأحيي هذه الحرفة ما حييت ولا أكتفي بعرض بضائعي بالحانوت بل أشارك بين حين وآخر في معارض دولية وكانت لي مشاركة في كل من الجزائر وقطر وإندونيسيا".

سوق محتضر

ودّعنا النحّاس وتجولنا في سوق الخواجات الذي يضم 32 حانوتا أغلق عشرون منها أبوابها حتى الآن، وتعود بدايات السوق إلى الفترة المملوكية، وسمي قديما بسوق النحّاسين نسبة لمهنة النقش على النحاس، وكانت من أهم المهن التي جُلبت قديما للقدس من شرق آسيا.

واشتهرت هذه المهنة نظرا لعشق السلاطين والأمراء والخلفاء ممن مروا على مدينة القدس للنقوش والزخارف النباتية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية أو أسماء الخلفاء والسلاطين، حتى باتت هذه النقوش صفة تميز العالم الإسلامي ولها سوق خاص بها في القدس.

وفي نهاية القرن التاسع العاشر بدأت مهنة النحاسة تتراجع تدريجيا، ولم يبق منها في البلدة القديمة الآن سوى حانوت محمد عبد الجواد، ويعود السبب في ذلك إلى هبّة من تجار الأقمشة الذين اجتاحوا السوق وبدؤوا بيع الأقمشة اليونانية والتركية ذات الجودة العالية بالجملة، وكان معظم زبائنهم من أهالي مدينة القدس البرجوازيين.

وهكذا تحول اسم السوق من النحّاسين إلى سوق المانيفاتورة أو الخواجات، وسُمي بسوق الخواجات لأن معظم ممولي الأقمشة لهذا السوق كانوا من الخواجات (التجار اليونانيين) الذين باعوا الأقمشة سنوات طويلة لأصحاب الحوانيت العرب.

المصدر : الجزيرة

التعليقات