فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا

أحياء القدس خلف الجدار.. القدس المستقبلية والنظرة للمجهول

بتاريخ الأربعاء 4/1/2017

القدس | منذ تسعينيات القرن العشرين، سارت السياسة الإسرائيلية على مسارين متناقضين، فعلى المسار السياسي التزمت إسرائيل بعملية مفاوضات وقبلت بطرح حل الدولتين، مما يعني التوصل إلى تسوية بشأن القدس، وعلى المسار الآخر فقد سعت إسرائيل لفرض أمر واقع وتغيير وقائع على الأرض تعارض النهج التفاوضي المعلن، فطالما كانت وما زالت السياسة الإسرائيلية قائمة على تغيير الوقائع على الأرض وفرض أمر واقع منعا لأي حلول سياسية مستقبلية.

إسرائيل سعت دوما إلى جعل القدس مدينة يهودية من كل النواحي وبشكل خاص ديمغرافيا، وكان إنقاذ "القدس اليهودية" الشغل الشاغل للعديد من الجهات الحكومية وصناع القرار في إسرائيل، وضمان إيجاد أمر واقع غير قابل للتغيير بالقدس ليس من خلال عملية سلام مستقبلية ولا من خلال ضغوط دولية.

كجزء مهم من هذه السياسة، بدأت عملية تشييد جدار الفصل في محيط القدس وفصل أحياء من القدس الشرقية في سنة 2004. التفسير الرئيسي لبناء الجدار كان أمن إسرائيل وسكانها، حسب السياسة الإسرائيلية المعلنة، ويهدف الجدار إلى منع وصول متسللين إلى داخل إسرائيل لتنفيذ عمليات، لكن نظرة معمقة في مسار هذا الجدار تشير إلى سياسة واضحة مفادها (أرض أكثر وعرب أقل).

هذا الجدار بات يمثل حدودا سياسية فصلت قرابة 120 ألف مقدسي (ثلث سكان القدس العرب) عن مدينتهم وعائلاتهم وأعمالهم، ما يعني أن إسرائيل تسعى لفرض إملاءات من طرف واحد لمنع أية تسوية سياسية بالقدس، لفصل هذه الأحياء المقدسية مع سكانها الـ 120 ألفا ومنحها للفلسطينيين على اعتبارها "القدس" الموعودة كعاصمة فلسطين المستقبلية.

ليس للوضع في شرق القدس مثيل في أي مكان في العالم، جماعة إثنية محرومة من الحقوق المدنية والسياسية، ومحاصرة جزئيا داخل أحياء مغلقة، ولا يدور الكلام حول مستعمرة نائية، بل حول قلب العاصمة المعلنة لدولة إسرائيل التي تدعي اعتمادها نظاما ديمقراطيا وحيدا بالشرق الأوسط.

بعد عام 1967

بعد حرب حزيران 1967، أقدمت إسرائيل بشكل أحادي على ضم القدس الشرقية إليها، إسرائيل لم تقم فقط بضم "القدس الأردنية" -البلدة القديمة والأحياء الملاصقة لها- باعتبارها القدس, لكنها وسعت حدود القدس الشرقية ثلاثة أضعاف بحيث أصبحت تضم 28 قرية لم تكن جزءا من القدس حتى السيطرة الإسرائيلية (إسرائيل أضافت حوالي 60 كيلومترا مربعا لمساحة القدس). هذه القرى أصبحت داخل حدود القدس وداخل حدود إسرائيل بالمفهوم القانوني الإسرائيلي وفرضت قوانينها وإدارتها الكاملة عليها.

بأي حال, إسرائيل ضمت الأرض دون السكان, فعلى عكس ما فعلت عام 48 عندما منحت من بقي من فلسطينيين الجنسية الإسرائيلية، منحت سكان القدس الشرقية مكانة "مقيم دائم". والفرق أن الجنسية لا يمكن خسارتها إلا بحالات نادرة جدا، أما مكانة المقدسي كمقيم دائم فإنها تستلزم إثبات سكن صاحبها بشكل مستمر داخل حدود بلدية القدس (الحدود الإسرائيلية) وفي حال حصول المقيم على جنسية بلد آخر أو إقامة في مكان آخر (جرين كارد مثلا) فإنه يخسر مباشرة مكانته كمقيم دائم ويصبح بحاجة إلى تأشيرة دخول كسائح لزيارتها ولزيارة أهله فيها.

بكلمات أخرى، تشكلت السياسة الإسرائيلية في القدس منذ عام 1967 لتلبي هدفين رئيسيين: الأول تعزيز سيطرة إسرائيل على شرق القدس في الوقت الحاضر وكواقع يفرض نفسه على أية مفاوضات مستقبلية، والثاني إضعاف وتقويض أية مطالبة موازية من طرف الشعب الفلسطيني.

منذ ضم شرق القدس، عملت إسرائيل على زعزعة استقرار العلاقة بين السكان الفلسطينيين ومدينتهم الأم، وصادرت على مر السنن مساحات شاسعة لأجل إقامة مستوطنات وحدائق الوطنية وفي الوقت نفسه تم فرض قيود قاسية على التخطيط وتسجيل الأراضي الفلسطينية في الطابو, ثم قررت بناء جدارها لفصل أكبر عدد من المقدسيين دفعة واحدة عن القدس.

بناء الجدار

حتى عام 2004 والبدء ببناء الجدار الفاصل داخل حدود القدس كانت أحياء كفر عقب وسميراميس من الأحياء قليلة الكثافة السكانية مقارنة بأحياء مقدسية أخرى. هذا الأمر تغير بشكل جذري بعد بناء الجدار، فمباشرة أعطت السلطات الإسرائيلية إشارة واضحة إلى أنها لا تهتم بما يحدث في تلك الأحياء، وأدرك بعض مقاولي البناء أن بإمكانهم البدء بالبناء هناك دون الحصول على تراخيص بناء ودون فحص لطبيعة ونوعية البناء.

 

خلال فترة قصيرة جدا، ارتفعت مجموعات كبيرة من المباني الضخمة وبدأت تعرض شققا رخيصة مقارنة بأسعار الشقق القليلة جدا داخل الجدار (سعر الشقة في كفرعقب 120 ألف دولار تقريبا، في حين أنه يقارب أربعمئة ألف دولار في أحياء داخل الجدار).

"السلطات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل القوانين التي تجبرها تقديم كافة الخدمات لسكان أحياء القدس الشرقية بشكل عام وأحياء خلف الجدار بشكل خاص لا تقدم شيئا على أرض الواقع"

المقدسيون، وبسبب الضغط السكاني الرهيب وانعدام إمكانية البناء في القدس، إضافة إلى الأسعار الخيالية للشقق القليلة المعروضة في القدس دفع بالمقدسيين بشكل عام وبالأزواج الشابة بشكل خاص إلى هذه الأحياء رغبة بالحصول على مسكن، ولم يترافق الازدياد المهول في أعداد سكان كفر عقب مع إضافة أية بنى تحتية أو خدمات، فعلى الرغم من التزام الحكومة الإسرائيلية أمام المحكمة العليا التي وافقت على بناء الجدار، وعلى الرغم من قرار الحكومة عام 2005 بشأن تخصيص ميزانيات لمتابعة شؤون هذه الأحياء لكن شيئا لم يحدث على الأرض.

لكن ومنذ بناء الجدار، بات عدم الاهتمام شاملا وكاملا تقريبا، فالمار من هذه الأحياء يرى بعينه المجردة أن شبكة الطرق وإشارات المرور والمدارس والحدائق والكهرباء والمياه والصرف الصحي والبنى التحتية المختلفة في هذه المناطق متهالكة للغاية أو ببساطة غير موجودة.

لفهم أبسط للصورة يكفي أن نقول إن ميزانية بلدية القدس لعام 2012 لإزالة النفايات كانت قرابة 326 مليون شيكل (قرابة 86 مليون دولار) تحصل منها الأحياء خلف الجدار على مليوني شيكل (قرابة 520 ألف دولار) أي أن الأحياء التي يشكل سكانها 12.5% من سكان القدس يحصلون على 0.6% من الميزانية، كذلك بما يتعلق بالبنية التحتية والشوارع، فنسبة ما تقاضته هذه الأحياء عام 2015 لا يتجاوز الـ 0.001% من ميزانية البلدية.

مع مرور الوقت، تحولت هذه الأحياء إلى ما يشبه "جيتوهات" ومناطق معزولة، فأكوام النفايات تتراكم بكل مكان، والبنى التحتية سيئة جدا، والأمن والأمان شبه معدوم.

في المقابل، لا تقدم السلطة الفلسطينية بتقديم أية خدمات للسكان بادعاء أن اتفاقية أوسلو تمنع على السلطة العمل في القدس.

المتابع لما حدث يدرك أن انتقال المقدسيين إلى هذه الأحياء لم يكن صدفة، لكنه خطوة مدروسة بعناية لدفعهم إلى الانتقال إلى تلك الأحياء، فقيام إسرائيل بمصادرة ثلث مساحة القدس الشرقية للمصلحة العامة، وانعدام إمكانية البناء في القدس بادعاء عدم وجود خريطة تفصيلية بالقدس ورفض السلطات الإسرائيلية البدء بتسجيل الأراضي كلها خلقت أزمة سكنية غير محتملة داخل القدس، ودفعت بالسكان إلى البحث عن أي بديل, وأحياء خلف الجدار كانت البديل.

كذلك فإن السلطات الإسرائيلية التي لا تألو جهدا للتضييق على الفلسطينيين لم تحرك ساكنا إزاء البناء العشوائي بهذه الأحياء، ما يدل على رضى ضمني للبناء لدفع السكان إلى تلك الأحياء.

خلاصة

في ظلّ غياب أي تقدّم على مستوى التسوية السياسية، يستولي الهاجس الديمغرافي على إسرائيل، وتسعى الأخيرة جاهدة وبخطوات متسارعة نحو مفاقمة أزمة السكان الفلسطينيين أفرادا وجماعة، وتقليل عددهم في المدينة بالقدر المستطاع لفرض وقائع أحادية على الأرض ولمنع أي إمكانية لجعل القدس عاصمة لدولة فلسطين المستقبلية.

بفصلها عن القدس, تسعى إسرائيل لنقل أكبر عدد ممكن من المقدسيين إلى أحياء خلف الجدار, مستعملة كل أنواع السياسات، خاصة منع البناء والتوسع الطبيعي داخل القدس لإجبار السكان على الانتقال إلى هذه الأحياء. في المقابل تستمر إسرائيل بجباية كل أنواع الضرائب من سكان أحياء خلف الجدار، لكنها في المقابل تمتنع عن تقديم أية خدمات فعلية لمئات آلاف السكان.

لقد نمت هذه الأحياء بسرعة بالغة بسبب التهديد الإسرائيلي الدائم وتعزيز خوف السكان من إمكانية سلخهم عن مدينتهم من جهة، وعدم القدرة على تحمل الضغوط والأعباء الهائلة داخل المدينة من جهة أخرى. ومع ذلك، فقد يتكشّف بأن لهذه السياسة المعتمدة تأثيرات مرتدة في حال قرار إسرائيل الأحادي التخلي عن هذه الأحياء، أو في حال وقوع كارثة إنسانية، وهي إمكانية حتمية الوقوع في ظل الظروف السائدة في هذه الأحياء من اكتظاظ كبير وانعدام أي فحص لسلامة الأبنية الشاهقة الموجودة، والبنية التحتية المتهالكة بشكل غير طبيعي كلها سوف تؤدي آجلا أم عاجلا إلى كارثة إنسانية كبيرة. وحتى من دون وقوع كارثة كبيرة كهذه في الأحياء القائمة خلف الجدار، فإن إسرائيل لن تكون قادرة على المدى الطويل تجاهل التداعيات الإنسانية والاجتماعية والسياسية للواقع الذي أوجدته وغذته هي نفسها.

بأي حال، حتى اللحظة لم تبادر إسرائيل إلى أي تغيير قانوني أو موضوعي للوضع القائم في المنطقة، لأن من شأن ذلك أن يخلق تعقيدات في الساحتين السياسية المحلية والدولية، لكن لا أحد يعلم ما تخطط له السلطات الإسرائيلية حيال هذه الأحياء وسكانها، فهي قد تنسحب منها بشكل أحادي كي تحافظ على أغلبية يهودية كبيرة في المدينة، أو أنها قد تعرض هذه الأحياء مستقبلا كأنها "القدس الموعودة" للفلسطينيين.

ختاما تعمل إسرائيل جاهدة لتغيير الوقائع على الأرض في القدس، وفي المقابل فلسطينيا -في أحسن الأحوال- هناك ردود فعل خير مدروسة بالمرة، إن وجدت أصلا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات