فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية من هنا وهناك تكنولوجيا صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا

عمال مأمنّون برسم المساومة

بتاريخ الخميس 5/11/2015

تحقيق هُنا القدس | ديالا زيداني

على الرغم من أن العمّال يشكلون شريحة كبيرة في المجتمع الفلسطيني وهي اللبنة الاساسية لإقتصاد الوطن، إلا أن العمّال يواجهون مشاكل عديدة تبدأ من غياب الرقابة القانونية على المنشئات الصناعية وورشات العمل وتنتهي بخوضهم معارك قضائية مع أطراف عديدة من أجل الحصول على حقوقهم الضائعة.

شركات التأمين إحدى الأطراف التي يخوض العمّال معركة قضائية ضدها، فمشكلة تعويض العمّال الذين تعرضوا لإصابات خلال عملهم واحدة من تلك المشاكل التي يواجهها العامل بعد تعرضه للإصابة، وحسب قانون العمل الفلسطيني وقانون التأمين أي عامل مؤمن يتعرض لإصابة عمل خلال عمله يجب أن يتم  تعويضه بمبلغ معين يستند الى نسبة العجز وتكاليف العلاج وراتب العامل، لكن ما يحصل على أرض الواقع مغاير لتلك القوانين.

مساومات مالية

فايز أمين حج واحد من مئات العمال الذين تعرضوا لإصابة عمل وما زال يخوض معركته القضائية من أجل تحصيل حقوقه من شركة التأمين. فايز كان يعمل في احدى المصانع في مدينة رام الله، وفي عام 2010  كان ينظّف قالب بصاروخ وأثناء تنظيفه تعثّر ووقع مما أدى إلى إصابة عينه بسلك معدني، وعلى إثرها تعطلت عدسة عينه اليمنى وحصل على نسبة عجز 25%.

لم يتعرف رب العمل على فايز وقال له:" أنت مؤمن اذهب الى شركة التأمين"، توجه فايز الى شركة التكافل للتأمين المؤمن لديها من أجل أن يتعالج على حسابهم وكذلك من أجل أن يحصل على حقوقه نتيجة تعرضه لإصابة عمل حالت دون قدرته على العامل كسابق عهده، لكن ما حصل داخل الشركة من محاولات لمساومة فايز على المبلغ الذي يستحقه جعله يرفض اي صفقة عرضت عليه من قبل بعض المسؤولين في شركة التأمين ويلجأ إلى القضاء لينصفه.

وقال فايز:" عندما ذهبت إلى شركة التكافل عرض علي مسؤول مبلغ 20 ألف شيقل رفضت المبلغ وحدث بيني وبينه مشاكل، خرجت من مكتبه وتوجهت إلى مسؤول أخر عرض علي مبلغ 40 ألف شيقل لكنني رفضت، ففي خلال خمسة دقائق ارتفع المبلغ 20 ألف شيقل!".

ما حدث مع فايز تكرر مع العامل سليمان الزبن، الذي تعرض لإصابة عمل في مصنع الحديد وعلى إثرها تضرر إصبع يده (البنصر) وأصيب بنسبة عجز 5% دائم، وكونه مؤمنا توجه سليمان الى شركة التأمين المؤمن لديها المصنع على عمّاله، لكن السيناريو نفسه تكرر مع سليمان إذ توجه سليمان لوحده إلى الشركة وحاول أحد المسؤولين عرض مبلغ 12 ألف شيقل عليه، فما كان من سليمان إلا أن يهاتف والده ويسأله لكن والده أجابه بأن عليه أن يرفض المبلغ ويخرج فورا من الشركة، حاول المسؤول أن يقنعه بالمبلغ وألا يصغي لوالده لكن سليمان أخذ بنصيحة والده وغادر، بعد ذلك كان القضاء الجهة التي توجه اليها سليمان لتكون الفاصل بينه وبين شركة التأمين.

وحول محاولات شركة التأمين مساومة العمّال، أكد المحامي حمدي حمّاد المختص بقضايا التأمين وقضايا إصابات العمال أن شركات التأمين تعمد من خلال بعض مسؤوليها إلى إجراء مخالصة مع العامل مقابل مبلغ قليل جدا، وتعني المخالصة أن شركة التأمين تعرض مبلغ على العامل وتحاول اقناعه بأن هذا المبلغ الأخير المعروض عليه، وعليه يقبل العامل بهذا المبلغ ويوقع ورقة بأنه أنهى أوراقه مع شركة التأمين واستلم مبلغ مالي معين ولا يجوز له بعد ذلك أن يطالب شركة التأمين بأي حق من حقوقه أو أن يقوم برفع قضية على الشركة.

وفي سياق أخر، أوضح المحامي حمّاد أنّ شركات التأمين عندما تجد أن العامل قام بتوكيل محامي تعمل على تحويل القضية إلى المحاكم المختصة، وذلك لأنها على يقين بأن القضية ستأخذ وقت طويل يتراوح ما بين 2-5 سنوات أو أكثر.

ويتابع المحامي شركات التأمين أموالها موجودة لديها، تستثمر تلك الأموال وفي المرحلة الثانية تعتمد على أمد التقاضي وخلال تلك المرحلة العامل لا يحصل على شيء إلا بعد انتهاء القضية.

ولم يتوقف الأمر بالنسبة لفايز وسليمان عند هذا الحد، فسليمان بعد إصابته أصبح غير قادر على التواصل مع عائلته كما في السابق وانقلبت حياته رأسا على عقب، إضافة إلى ذلك أصبح غير قادر على مواصلة عمله السابق واستمر في العمل بمصنع الحديد لكن بمهام بسيطة، أما فايز فبعد أن أصبح غير قادر على مواصلة عمله اضطر إلى التوقف عن العلاج وأصبح عاطل عن العمل لا يعلم كيف سيعيل عائلته، فمن ناحية علاجه الذي يدفعه من جيبه الخاص لا سيما بعد توقف شركة التأمين عن علاجه لأكثر من سبع جلسات في مستشفى سانت جون للعيون في القدس، ومن ناحية أخرى عدم قدرته على مواصلة عمله نتيجة تضرر عينه.

اتهامات وتبريرات

في المقابل، يعتبر مدير عام شركة ترست للتأمين أنور الشنطي أن شركة التأمين ليست جمعية خيرية وجميع الشركات تقوم بعملها على أكمل وجه وحسب الأصول، لكن المشكلة تكمن في أطراف أخرى حسب قوله:" كثير من الناس تعتبر شركة التأمين فرصة للقنص وأن أموالها كثيرة، يساعدهم بعض المحاميين".

وأضاف الشنطي إلى أن العامل والمشافي والمحاميين يستغلون شركات التأمين كل بطريقته، فالعامل إذا وقع عن شجرة يذهب إلى شركة التأمين ويدّعي أنه تعرض لإصابة عمل، كذلك يقوم بعض العمال بالذهاب إلى المشافي الخاصة أو إلى عيادة طبيب قريب أو صديق إليهم ويقوم بتزويد شركات التأمين بفواتير ذات مبالغ مالية مرتفعة، أما المشافي إذا علمت أن المصاب يعمل ومؤمن لدى إحدى الشركات تقوم بتزويد الشركة بفواتير علاج ذات مبالغ مالية كبيرة، أما المحامون حسب ما قال أيضا الشنطي أنهم عندما يتولون قضية عامل مصاب يحاولون أن يرفضوا أي مبلغ لأن المحامي كلّ ما حاول أن يصل إلى مبلغ أكبر ازدادت نسبته التي سيحصل عليها من العامل.

وبيّن الشنطي أن العام الماضي سجلت أكثر من 5700 إصابة عمل من بينها 18 حالة وفاة، مشيرا إلى أن هناك جهل شبه مطلق فيما يتعلق بضرورة التأمين إذ أن نسبة العمّال المؤمنين تقارب 25% فقط وهو ما تتحمل مسؤوليته وزارة العمل كما أوضح الشنطي. بدورها اعترفت وزارة العمل بالتقصير إذ أشار مدير عام السلامة والصحة المهنية في وزارة العمل فراس أبو حمّاد أن هناك 135 ألف مؤسسة في المقابل يوجد 40 مفتش فقط، وهم لا يزورون سوى 10%  فقط من المؤسسات في السنة الواحدة.

لكن إذا كان الأمر كذلك، فما هي أهمية وجود قانون يحدد عمل شركات التأمين؟ ولماذا لا تلتزم شركات التأمين بقانون العمل وقانون التأمين؟ ما وجدناه هو أن شركات التأمين لا تلتزم بقانونها  إذ أشار الشنطي أن تعويض إصابات العمل يخضع للقانون الفلسطيني 20/2005 الذي تم تطبيقه عام 2006، ويحتوي قانون التأمين على بنود واضحة فيما يتعلق بإصابات العمل، ففي قرار 5/ت يوّضح القانون أن كل نسبة عجز يكون مقابلها مبلغ معين يستند إلى راتب الموظف وعمره وتكاليف العلاج ومدة العطل.

مادة (17)

يلتزم المؤمن في تعويض المؤمن له عن الضرر الناتج عن وقوع الخطر المؤمن منه، وفقاً للأحكام الخاصة بكل نوع من أنواع التأمين..

مادة (18)

على المؤمن أداء الضمان أو المبلغ المستحق إلى المؤمن له أو المستفيد على الوجه المتفق عليه عند تحقق الخطر أو حلول الأجل المحدد في العقد.

 وأوضح الشنطي أن شركة التأمين وحسب القانون تتحمل مسؤولية العامل المؤمن المصاب من اللحظة الاولى، ابتداء من نقله الى المستشفى والاشراف على علاجه إلى تعويضه بناء على التقرير الطبي وراتب المصاب والعطل الذي نجم عن إصابته.

ما تحدث عنه الشنطي من واجب شركة التأمين اتجاه المصاب نفاه كلا من فايز وسليمان ونقابة العمّال، فسليمان هو وحده من ذهب إلى المستشفى وهو أيضا من دفع تكاليف علاجه وحتى الآن لم يحصل على التعويض، كذلك الأمر بالنسبة إلى فايز.

تسويف ومماطلة

وبيّن مسؤول الدائرة القانونية في نقابة العمال والمتابع للقضايا العمالية عبد الرحيم العاروري أن شركات التأمين تعمد إلى المماطلة في التقارير الطبية وتقوم بتحويل المريض إلى طبيب أخر تحدده هي، وذلك من أجل الطعن في التقرير الطبي الذي قدمه المريض لهم كأسلوب من أساليب المماطلة والتسويف، وهو ما حدث مع سليمان وأشار إلى أنّ شركة التأمين المؤمن لديها طلبت منه أن يقوم بإعادة الفحص الطبي عند الطبيب أحمد البيتاوي والذي بدوره أعطاه نسبة أعلى من النسبة السابقة الأمر الذي دفع شركة التأمين إلى أن تحتفظ بالتقرير ورفضت تسليمه إلى سليمان.

ومن الطرق الأخرى التي تتبعها شركات التأمين، ما أوضحه فايز حول محاولة شركة التأمين إنكار راتبه الذي كان يتقاضاه من مكان عمله، إذ كان يحصل على راتب بمبلغ 3500 شيقل.

من ناحيته، زعم مساعد المدير العام في شركة التكافل للتأمين قاسم آدم أن الشركة لم تنكر راتب العامل ومنذ اللحظة الاولى اعترفت أن راتب فايز يبلغ 3500، ونفت أنه حدث بينها وبين فايز أية مشاكل منذ البداية، وعلى العكس من ذلك أوضح فايز أن الشركة لم تتجاوب معه وأصرت على مساومته ما أدى إلى وقوع مشاكل بينها.

وفي وثائق استطعنا أن نحصل عليها من محامي العامل فايز تبيّن أن محاميّ شركة التكافل لؤي ابو جابر و راتب محيسن قدما للمحكمة ورقة من ضمن ما جاء فيها أن التكافل تنكر مقدار دخل المدعي (فايز) الشهري للمبالغة والتهويل، في حين حصل المحامي على إثبات من المصنع الذي كان فايز يعمل به على أن راتبه 3500.

ومن بين الوثائق، تقدمت شركة التكافل للتأمين بطلب لمحكمة بداية رام الله تطلب فيه رد الدعوى المقامة وذلك حسب المادة 124 من قانون العمل الفلسطيني، والتي تنص على ما يلي: ما لم يكن التأخير ناتجا عن عدم استقرار الإصابة أو عن عذر مشروع يسقط حق المصاب في المطالبة بالتعويض عن إصابة العمل بانقضاء سنتين على وقوع الإصابة.

وكانت شركة التأمين تدّعي أن فايز قام برفع قضية على شركة التأمين بعد انقضاء سنتين على وقوع الاصابة وأنه في ذلك الوقت كانت حالة فايز مستقرة، لكن بتاريخ 20/11/2011 بعثت شركة التكافل بورقة إلى مستشفى سانت جون تبلغها بأنها مستعدة لدفع تكاليف علاج فايز، وكان المستفى أبلغ فايز أن عدسة عينه تعطلت وهو بحاجة إلى إبر مستمرة. وذلك يثبت أن شركة التأمين كانت على علم بأن فايز ما زال يكمل علاجه وأن حالته لم تستقر بعد.

بدوره أكد  حمدي حماد وهو محامي العامل فايز أن أوراق موكله كاملة، لكن شركة التأمين تحاول أن تماطل في القضية عن طريق المطالبة بإعادة بعض الاجراءات.

فايز وسليمان ليس هما الوحيدين الذين خاضا معركة قضائية ضد شركات التأمين رغم وجود القضية في المحكمة منذ بضعة سنوات، بل هناك الآف العمّال الذين ساروا على نفس الدرب، في المقابل هناك المئات من العمّال الذين وافقوا على اجراء مخالصة وخسروا حقوقهم وصحتهم نتيجة عدم معرفتهم بما لهم من شركات التأمين وكذلك حاجتهم إلى المال لسداد ديونهم نتيجة تكاليف العلاج فكانت النتيجة أنهم أدركوا خطأهم بعد فوات الأوان.

 

شاهد التحقيق الصحفي ...

التعليقات