فايندر - تحقيقات صوتية محافظات أخبار القدس تحقيقات هنا القدس شؤون الأسرى تقارير خاصة مقالات ومدونات صحافة إسرائيلية تكنولوجيا من هنا وهناك صحافة المواطن رياضة رياضة - عربية رياضة - عالمية جامعة القدس منوعات منوعات - صحة منوعات - ثقافة وفن ناس من القدس القدس تيوب صحافة المواطن - تقارير اذاعية من نحن اتصل بنا
أخر الاخبار
جامعة القدس تعقد سلسلة من الأنشطة والفعاليات التربوية الهادفة حتى الحمام والقطط تجد رزقها في فجر الأقصى ماذا سيحصل للأرض في حال وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان؟ هكذا يُعامل حراس الأقصى.. قصص اشتباك "الرجبي" مع الاحتلال منيب رشيد المصري يوقف 25 مليون دولار لصالح العمل التنموي في فلسطين أكاديمية القدس للإبداع الشبابي تتوج الأعمال الابداعية لطلبتها في المرحلة الأولى شاهد- استشهاد فلسطينية على حاجز قلنديا جامعة القدس تفتتح أضخم مشروع ترميم في البلدة القديمة بمدينة القدس العليا الاسرائيلية تعطي صلاحيات باحتجاز جثامين الشهداء فلسطينيون أمام السفارة الكندية.. يطالبون بفتح ابواب الهجرة تحريض إسرائيلي على "مدارس الإيمان" المقدسية الاحتلال يعتقل 7 مواطنين تحذيرات من تفاقم الحالة الصحية للأسرى المضربين غنام وخلوف وقعدان وفاة أصغر أبناء الرئيس المصري الراحل محمد مرسي السلطة تقدم تقريراً عن الانتهاكات الاسرائيلية للامم المتحدة

القدس.. مدينة لا تشبه إلا نفسها | واسيني الأعرج

مدينة تسرق يوميا، وتضم أراضيها وبعض أجزائها، إلى القدس الكبيرة التي تنشأ في الخفاء
بتاريخ الأربعاء 10/6/2015

للقدس وجه آخر يواجهنا عندما ندخلها من أحد أبوابها. عطورها، عطر الشوارع، الدروب، الألبسة، الوجوه، المحلات، الحلويات، كعك القدس الشهير، الدروب والأبواب، المساجد والكنائس. في القدس أيضا عطر القدامة والتاريخ البعيد، وملامح حاضر يشتد قسوة على مدينة السلام التي تقاوم يوميا من أجل وجودها، مقاومة الظلم والموت اليومي والانهيار والتدهور والحفر التحتي الذي يفرض على المدينة، لتدمير الأقصى الذي عبر التاريخ البشري وكأنه يراد له اليوم، بقرار الاحتلال، أن ينتهي كعلامة ليس فقط دينية ولكن أيضا رمزية لكل فلسطين التي يتم نهبها اليوم، مثلما يحدث في العالم العربي حيث اندثار الكثير من الصور الرمزية الحية لكي تتحول إلى شيء مسطح لا يحيل إلا إلى سلسلة من الحجارة.

لهذا تجد القدس نفسها اليوم مجبرة على المحافظة على وجودها بالوقوف ضد عمليات المحو المستمر. فهي تواجه أمرين كبيرين: كيف تحافظ على وجودها ككيان حي، وكيف تبدع في كل ثانية وسائطها الدفاعية لتستمر في الحياة. ترفض الموت المسلط عليها من طرف المالكين للقوة اليوم.

وكأن الحفر الدائم من تحت، بحثا عن هيكل سليمان، يبين أنها مدينة مقاومة لا للأديان، لأنها كلها نشأت فيها أو تمددت من خلالها ومنحت البشرية حياة جديدة وأسئلة تتعلق بالتواصل، ولكن للموت المبرمج الذي يسحب من المسلمين حقا تاريخيا وإنسانيا، إذ أن الصهيونية منذ 48 و67 وهي تحاول خلق كل الأسباب التي تمنحها حق تدمير التاريخ الوجودي لمدينة القدس، وافتراض قدس أخرى قريبة من تاريخها وانشغالاتها الأيديولوجية الصهيونية.

مدينة تسرق يوميا، وتضم أراضيها وبعض أجزائها، إلى القدس الكبيرة التي تنشأ في الخفاء. مثل باب المغاربة الذي أنشأ في عمقه، سيدي أبي مدين الغوث، مقامه الصغير، سرق منذ 67، ومحيت كل العلامات التي تحيل إلى هذا التاريخ. يشدني في هذه المدينة أيضا التاريخ ولغتها السرية التي تقول كل شيء لمن أراد أن يتوغل عميقا فيها بما في ذلك الخيانات الانجليزية والعربية التي لم تعد اليوم تخفى على أحد، التي سلمت المدينة بموجبها لعصابات الشتيرن والهاغانا العسكريتين، التي هيأها الإنكليز لخوض حرب استعمارية وجودية ضد العرب، لدرجة ارتكاب أبشع الجرائم. أكبر من هذا كله، القدس مدينة تقاوم بطريقتها حالة التجفيف الثقافي المسلط عليها من الاحتلال، وهذا ما يفرض على كل عاشق لهذه المدينة أن يكون قريبا من لغتها وحاجاتها الثقافية والإنسانية.

مرور أي مثقف عربي أو أجنبي عبر المدينة، في ظل الحجر الغريب باسم التطبيع، يمنح المقدسيين ثقة أكثر بأنهم ليسوا وحيدين في هذا العالم المتماوج. رأيت هذه الأحاسيس تترسم في شكل علامات من نور في عيون من التقيت بهم يومها، في ذلك المساء الربيعي الدافئ، برفقة الناقدة الدكتورة رزان إبراهيم وسامح والفنان المقدسي المميز حسام أبو عيشة، سواء في الأماكن الشعبية أو في الفضاءات الثقافية.

عندما دخلنا إلى دار إسعاف النشاشيبي كان كل شيء في حالة غليان جميل من الحضور. شممت في المكان الساحر، عطر العراقة والاستمرار. دار كبيرة في شكل البيوت العربية التي استقت كل الحداثة الأوروبية بدون أن تخسر ولو ذرة واحدة من عطرها الثقافي المميز. بيت يحيل إلى عائلة منحت لفلسطين عبر التاريخ حبا ودفئا وثقافة وقافلة من شهداء الأرض والعلم. حديقة البيت تتسع للشجر والطيور والزوار وعشاق المدينة والثقافة، وقاعة محاضرات مفتوحة على المدينة تستقبل هواء جبل الزيتون ملء رئتيها، يملأها شباب منشغل بالقراءة والتفكير في حياة أجمل، ويرفض الاحتلال وثقافة التجفيف التي تفرض عليها وكأنها قدر لا يمكن تلافيه. كان البرنامج أن نبدأ بمحاضرة الدكتورة رزان إبراهيم المميزة عن روايتي السيرية: سيرة المنتهى، عشتها كما اشتهتني، في طبعتها الفلسطينية التي تكرمت بإنجازها دار الأهلية، ثم نمر إلى التوقيعات لكني فوجئت بالرغبة الجامحة للحضور بالتوقيع أولا، والتفكير بعدها في الباقي، فلم نمانع أنا والدكتورة رزان. ما زلت أكرر بلا توقف وبقناعة داخلية مترسخة: من قال إن العربي لا يقرأ، مخطئ، مهما كانت التفصيلات والحيثيات المختلفة. كان من الصعب علي أن أكتم سعادة اجتاحتني، ما يزال في عالمنا العربي المجروح وفي فلسطين تحديدا، ما يمنحنا أملا صغيرا وربما بؤرة ضوء نلتصق بها ولو تحولنا إلى فراشات تلتصق بالنار قبل أن تتحول إلى رماد. حقيقة، إن ما فاجأني بقوة، هو ذلك الجمهور الفذ والحي من القارئات والقراء. لا الحروب المتعاقبة والتي أنهكت الناس، ولا المآسي اليومية تمنع القارئ من أن يعيش لحظة إنسانية لا تفنى، من خلال فعل القراءة.

القراءة ما تزال موجودة، بل تشكل نافذة للفلسطيني الذي تصطدم الكثير من أحلامه بآلة الاحتلال الإجرامية، وجدار العار والفصل العنصري الذي لم يسرق الكثير من عناصر الحياة ولكنه لم يمنع الفلسطينيين من الحلم والهرب خارج الأسوار الباردة. كانت نقاشات ما بعد المحاضرة والتي انصبت أساسا على النص ومراميه وثقافته وإنسانيته، مغرية للاستمرار في الأمسية حتى منتصف الليل لولا الوقت المحدد. كانت هناك رغبة عالية للفهم والإنصات أيضا. النقاش كان قويا وجميلا، لكن الوقت المتاح كان محدودا وقصيرا مهما طال. وقعت يومها العشرات من نسخ السيرة لكن شيئا أثارني هو أن بعض النسخ كانت مزورة، أغمضت عيني، نسيت نصائح ناشري، ووقعتها وأنا أنظر لحماس التي تحمل النص وهي لا تفكر إلا في فعل القراءة.

في نهاية الأمسية، جاءني شبان كثيرون وطلبوا مني منحهم فرصة أطول لمواصلة المناقشة لأن الكثير من الأسئلة ظلت معلقة في قلوبهم. تأملتهم جيدا. رأيت تلك الرغبة المقدسة للتواصل، ترتسم في عيونهم بقوة وإصرار. كنت متعبا وأمامي عشاء مع الصديق أبو عيشة وزوجته الكريمة وأصدقاء آخرين. اتفقت مع الشباب أن نلتقي في رام الله، في النزل الذي كنت أقيم فيه، وأنا أظن في أعماقي، أن البعد سيجعلهم يستثقلون مواصلة المحاورة خارج مدينة القدس. ومشيت مع الأصدقاء المرافقين لي في الزيارة برفقة الفنان أبو عيشة نحو مطعم الزهراء، في شارع الزهراء، مقابل مؤسسة يبوس الثقافية، ليس بعيدا عن المعهد الوطني للموسيقى. وكان عشاء فلسطينيا معشقا بنسائم مدينة لن تموت أبدا. كنت منهكا عندما عدت إلى رام الله، متأكدا من أن الشباب المقدسيين يكونون قد ضربوا صفحا عن لقاء يجبرهم على التنقل ليلا نحو رام الله. وعندما هممت بالصعود نحو غرفتي رأيت الشباب المقدسيين وهم ينتظرون، عيونهم مليئة بالدهشة والفرح، مسلحين بالحب وبابتسامات لن تموت أبدا، ارتسمت أبدا في القلب والروح. استمر النقاش معهم حتى آخر الليل، كانت موضوعاته حية وحاضرة إلى أبعد الجدود: القراءة، القدس ومقاومتها بالسبل الثقافية الحية، التنظيمات الثقافية والفكرية، فعل الكتابة وقوته الحية، التحرر والنضال من سلطان ثقافة الاحتلال التيئيسية بالوسائط التي يتقنونها جيدا: الكتابة والفعل الثقافي الحي.

كم كان قلبي يخفق ويندهش من تفاؤلهم الجميل والمؤسس على شيء كانوا يشعرون به بعمق، الأمر الذي جعلني أحيانا أعيد النظر في يأسي المبطن منذ سنوات، وأتذكر المقولة الكبيرة: حتى إذا لم يكن التفاؤل موجودا، علينا بابتداعه وخلقه. لم أشعر بالتعب إلا عندما تمددت على سريري أخيرا، وبدأت أستعيد تفاصيل يوم لم يكن كبقية الأيام الأخرى، في مدينة لا تشبه إلا نفسها.

 

المصدر: القدس العربي

التعليقات